نصر حامد أبو زيد

229

الاتجاه العقلي في التفسير

للخل حلاوة بوجه ، بل يريد اثبات الحلاوة للعسل وسلبها عن الخل أصلا ورأسا ، فكذلك قوله ( أحسن الخالقين ) أثبت الخلق له دون غيره » 275 . ولا شك أن كلا من المعتزلة والأشاعرة في انشغالهم بقضاياهم الكلامية قد أخرجا الآية عن سياقها الذي وردت فيه . فلم يرد في الآية ذكر لغير اللّه ، خلافا لما ذهب إليه الباقلاني في جوابه الأول . فالآية سيقت لبيان عظمة اللّه والكشف عن قدرته الباهرة في خلق الانسان خطوة خطوة وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( المؤمنون / 12 - 14 ) . ورغم أن الباقلاني - في جوابه الثاني - نجح في الاستدلال اللغوي على أن صيغة « أفعل » قد تثبت الحكم لأحد المذكورين وتسلبه عن الآخر ، فإنه لم يدرك أن بيان العظمة والسمو ينكشف عن طريق المقارنة التي عبر عنها بهذه الصيغة في كلمة « أحسن » مع اضافتها إلى « الخالقين » . فالمفاضلة في الآية ليست بين خالق وخالق ، بل بين خالق وبين كافة الخالقين . * * * إذا كان المعتزلة قد وجدوا في القرآن آيات يستدلون بها على جواز اطلاق لفظ « خالق » على الانسان ، فإن خصومهم ، الأشاعرة ، يجدون بدورهم آيات أخرى يستدلون بها على أن صفة « الخالق » لا يجوز أن يوصف بها غير اللّه . وكما حاول الأشاعرة تأويل الآيات التي استدل بها المعتزلة كذلك يحاول المعتزلة تأويل الآيات التي استدل بها الأشاعرة . ويتم كل ذلك في اطار ما أشرنا إليه سالفا من تقسيم كل منهم للقرآن إلى محكم ومتشابه ، مع خلافهم فيما يندرج تحت المحكم ، وما يندرج تحت المتشابه من آيات . والدليل الأول عند الأشاعرة قوله تعالى في آيات كثيرة خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ 276 « ومعلوم أن أفعالنا مخلوقة اجماعا وأن اختلفنا في خالقها وهو تعالى قد أدخل في خلقه كل شيء مخلوق فدلّ على أنه لا خالق لشيء مخلوق غيره سبحانه وتعالى . فإن قيل فكلامه شيء فيجب أن يكون مخلوقا ، قلنا : قد احترزنا بمحمد اللّه عن هذا السؤال بقولنا أنه أخبر أنه خلق كل شيء مخلوق . وكلامه وصفات ذاته تعالى قد أثبتنا أنها غير مخلوقة ولا خالقة ، بل هي صفة الخالق تعالى قديمة بقدمه وموجودة بوجوده قبل جميع المخلوقات . فبطل هذا السؤال » 277 واستثناء الباقلاني كلام اللّه من الأشياء المخلوقة التي يقع عليها عموم لفظ « كل » في الآية ، يتسق مع ما ذهب إليه الأشاعرة من قدم الكلام الإلهي .